أحمد مصطفى المراغي

16

تفسير المراغي

كالكفر والشبهات التي تعرض دون الدين فتصدّ عن النظر فيه أو تحول دون فهمه ، والإذعان له كالبدع والأهواء التي تحمل على تأويله وصرفه عن وجهه والشهوات التي تشغل عنه . المعنى الجملي كان الكلام قبل هذا في تقرير أصول الدين من توحيد اللّه وتنزيهه وانفراده بالملك والسلطان في السماوات والأرض ، وبيان أن علمه محيط بكل شئ وأنه العلي العظيم . والكلام هنا في بيان أن الاعتقاد بهذا أمر تهدى إليه الفطرة ، وترشد إليه المشاهدات الكونية ، فأماراته واضحة ، والنّصب عليه جلية لا لبس فيها ولا إبهام ، فمن هدى إليه فقد فاز بالسعادة ، ومن أعرض عنه خسر الدنيا والآخرة ، وذلك هو الخسران المبين . وسبب نزول الآية ما رواه ابن جرير من طريق عكرمة عن ابن عباس : أن رجلا من الأنصار يقال له الحصين كان له ابنان نصرانيان ، وكان هو مسلما ، فقال للنبي صلى اللّه عليه وسلم : ألا أستكرههما ؟ فإنهما قد أبيا إلا النصرانية ، فأنزل اللّه الآية ، وفي بعض الروايات أنه حاول إكراههما ، فاختصموا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم . فقال يا رسول اللّه : أيدخل بعضي النار وأنا انظر ، فنزلت فخلّاهما . الإيضاح ( لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ ) أي لا إكراه في الدخول فيه ، لأن الإيمان إذعان وخضوع ، ولا يكون ذلك بالإلزام والإكراه ، وإنما يكون بالحجة والبرهان . وكفى بهذه الآية حجة على من زعم من أعداء الدين ، بل من أوليائه ، أن الإسلام ما قام إلا والسيف ناصره ، فكان يعرض على الناس ، فإن قبلوه نجوا ، وإن رفضوه حكم فيهم السيف حكمه .